ابن عجيبة
226
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ولمّا ذكر الحق تعالى هدى الإحصار وفدية الأذى ، ذكر هدى التمتع ، فقال : فَإِذا أَمِنْتُمْ . . . يقول الحق جل جلاله : فإذا حصل لكم الأمن من المرض أو العدو ، وأردتم الحج فَمَنْ تَمَتَّعَ منكم بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ بأن قدّم العمرة في أشهر الحج ، ثم حج من عامة ، فالواجب عليه فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ؛ شاة فأعلى ؛ لكونه تمتّع بإسقاط أحد السّفرين ولم يفرد لكل عبادة سفرا مخصوصا . فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدى ، ولم يقدر على شرائه ، فعليه فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ في زمن الْحَجَّ ، وهو زمن إحرامه إلى وقوفه بعرفة ، فإن لم يصم في ذلك الزمان صام أيام التشريق . ثم يصوم سبعة أيام إذا رجع إلى مكة أو إلى بلده . فتلك عَشَرَةٌ أيام كامِلَةٌ ، ولا تتوهموا أن السبعة بدل من الثلاثة ، فلذلك صرح الحق تعالى بفذلكة الحساب « 1 » . وهذا الهدى أو الصيام إنما يجب على المتمتع ؛ إذا لم يكن ساكنا بأهله في مكة أو ذي طوى ، وأما من كان ( أهله حاضري المسجد الحرام ) فلا هدى عليه ؛ لأنه يحرم بالحج من مكة فلم يسقط أحد السفرين ، وَاتَّقُوا اللَّهَ في امتثال أوامره ، وخصوصا مناسك الحج ؛ لكثرتها وتشعب فروعها ، ولذلك أفردت بالتأليف ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن ترك أوامره وارتكب نواهيه . وباللّه التوفيق . الإشارة : يقول الحق جل جلاله على طريق الإشارة للمتوجهين إليه : فإذا أمنتم من أعدائكم الذين يقطعونكم عن الوصول إلى حضرتنا ، أو أمنتم من الرجوع بعد الوصال ، أو من السلب بعد العطاء ، وذلك بعد التمكين من شهود أسرار الذات ، وأنوار الصفات ، إذ الكريم إذا أعطى لا يرجع ، فإذا حصل لكم الأمن ، فمن تمتع بأنوار الشريعة إلى أسرار الحقيقة فعليه ما استطاع من الهدى والسمت الحسن والخلق الحسن ؛ لأنه إذ ذاك قد اتصف بصفة الكمال وتصدّر لتربية الرجال ، فمن لم يجد ذلك فليرجع إلى ما تيسر من المجاهدة حتى يتمكن من ذلك الهدى الحسن والخلق الحسن ، هذا لمن لم يتمكن في الحضرة الأزلية ، وأما من كان مقيما بها ، عاكفا في شهود أنوارها ، فلا كلام عليه ، لأنه قد تولاه مولاه ، وغيّبه عن شهود نفسه وهواه ، فأمره كله باللّه وإلى اللّه . جعلنا اللّه فيهم بمنّه وكرمه ،
--> ( 1 ) الفذلكة : مجمل ما فصل وخلاصته .